ابن الجوزي
28
زاد المسير في علم التفسير
دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم . ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ( 42 ) قوله تعالى : ( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ) في الآية محذوف ، تقديره : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فخالفوهم ، فأخذناهم بالبأساء ، وفيها ثلاثة أقوال : أحدها : أنها الزمانة والخوف ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : أنها البؤس ، وهو الفقر ، قاله ابن قتيبة . والثالث : أنها الجوع ، ذكره الزجاج . وفي الضراء ثلاثة أقوال : أحدها : البلاء ، والجوع ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : النقص في الأموال والأنفس ، ذكره الزجاج . والثالث : الأسقام والأمراض ، قاله أبو سليمان . قوله تعالى : ( لعلهم يتضرعون ) أي : لكي يتضرعوا . والتضرع : التذلل والاستكانة . وفي الكلام محذوف تقديره : فلم يتضرعوا . فلو إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون ( 43 ) قوله تعالى : ( فلولا ) معناه : " فهلا " . والبأس : العذاب . ومقصود الآية : أن الله تعالى أعلم نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] أنه قد أرسل إلى قوم قبله بلغوا من القسوة أنهم أخذوا بالشدائد ، فلم يخضعوا ، وأقاموا على كفرهم ، وزين لهم الشيطان ضلالتهم فأصروا عليها . فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ( 44 ) قوله تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به ) قال ابن عباس : تركوا ما وعظوا به . ( فتحنا عليهم أبواب كل شئ ) يريد رخاء الدنيا وسرورها . وقرأ أبو جعفر ، وابن عامر : " فتحنا " بالتشديد هنا وفي ( الأعراف ) ، وفي ( الأنبياء ) : " فتحت " ، وفي ( القمر ) : " فتحنا " ، والجمهور على تخفيفهن . قال الزجاج : أبواب كل شئ كان مغلقا عنهم من الخير ، حتى إذا ظنوا أن ما كان نزل بهم ، لم يكن انتقاما ، وما فتح عليهم ، باستحقاقهم ، أخذناهم بغتة ، أي فاجأهم عذابنا . وقال ابن الأنباري : إنما أراد بقوله تعالى : " كل شئ " : التأكيد ، كقول القائل : أكلنا عند